النويري
3
نهاية الأرب في فنون الأدب
لإبراهيم بن المهدىّ : لا تمار إسحاق بعدها ، فإن رجلا عرف الخطأ بين ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير ألَّا تماريه ؛ قال : صدقت . وقال ابن حمدون : سمعت الواثق يقول : ما غنّانى إسحاق قطَّ إلا ظننت أنه قد زيد في ملكي ، ولا سمعته قط يغنّى غناء ابن سريح إلا ظننت أنّ ابن سريح قد نشر ، وإني ليحضرنى غيره إذا لم يكن حاضرا ، فيتقدّمه عندي بطيب الصوت ، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننت أنه يتقدّمه ينقص . وإن إسحاق لنعمة من نعم الملوك التي لم يحظ أحد بمثلها . ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهنّ له بشطر ملكي . وحكى عن أحمد بن المكَّى عن أبيه قال : كان المغنّون يجتمعون مع إسحاق وكلهم أحسن صوتا منه ولم يكن فيه عيب إلا صوته فيطمعون فيه ، ولا يزال بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم جميعا ويفضلهم ويتقدّم عليهم . قال : وهو أوّل من أحدث المجتثّ ليوافق صوته ويشاكله فجاء معه عجبا من العجب ، وكان في حلقه نبوّ عن الوتر . وحكى قال : سأل إسحاق الموصلىّ المأمون أن يكون دخوله مع أهل العلم والأدب والرّواة لا مع المغنّين ، فإذا أراد الغناء غنّاه ، فأجابه إلى ذلك . ثم سأله بعد مدّة طويلة أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء فأذن له ؛ قال : فكان يدخل ويده في يد قاضى القضاة يحيى بن أكثم . ثم سأل إسحاق المأمون في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة ؛ قال : فضحك المأمون وقال : ولا كلّ هذا يا إسحاق ! وقد اشتريت منك هذه المسئلة بمائة ألف دينار [ 1 ] وأمر له بها .
--> [ 1 ] في الأغانى : « درهم » .